أحمد بن أعثم الكوفي

363

الفتوح

سقلية وكان عنده في ناحية ، فكان يحدث صاحبك سقلية عن العرب وما فتحت من أرض الشام ومن مدنها وسواحلها . فلما كان ذلك اليوم ، التفت صاحبه سقلية إلى صاحب قيسارية فقال له : إن هؤلاء أكثر من أولئك الذين كانوا بأرض الشام ؟ فقال له صاحب قيسارية : أيها الملك ! كانوا أكثر من هؤلاء ، وكانوا أيضا قوما صالحين أصحاب نيات وبصائر ، يقاتلون على نية ودين وحسن يقين ، وهؤلاء أظن أنهم يريدون الدنيا ، فلو أن الملك أعطاهم شيئا يدفع به عن بلده لكان ذلك عندي له الرأي ، قال : فغضب ملك سقلية من ذلك ثم قال له : أنت رجل مرعوب لأنك قد رأيت منهم بقيسارية ما قد رأيت من ظهورهم على بر الشام وبحرها ، وإن في سقلية اليوم من الرجال الذين يحملون السلاح مثل ما في الشام في برها وبحرها ومثل ما في أرض مصر ، وإني لأعرضهم على مائة عارض فيمكثون سنة يعترضون ، قال : فقال له صاحب قيسارية : صدقت أيها الملك ! ولذلك فارقت ملك الروم لما مضى إلى القسطنطينية وصرت إليك لما أعلم من حزمك وعزمك وكثرة خيلك ورجلك ، وإن سقلية عندي أيها الملك لتقاس إلى رومية ، قال : فسرى عن صاحب سقلية وقال : صدقت أيها الملك هي كذلك ، قال : وإنما خدعه صاحب قيسارية بهذا الكلام لان رومية في البر دون مدينتها أربعون ميلا . قال : وأرسى المسلمون مراكبهم إلى جزيرة سقلية ، قال : فأرسل إليهم ملكها أن ابعثوا إلي منكم رجلا له بيان حتى أكلمه بما أريد . قال : فبعث المسلمون إليه برجل ومعه ترجمان يخبره بما يقول الروم فأقبل حتى وقف حذاءه وصاحب سقلية مشرف عليه ، فقال : ما أنتم ؟ فقال المسلم : من العرب الذين قد بلغت دعوتنا أطراف الأرض وأكناف الجبال وأقطار البحار ، لان الله عز وجل بعث إلينا رسولا هو أفضلنا بيتا وأصدقنا حديثا وأكرمنا نفسا ، فدعانا إلى الله عز وجل ، فأجبنا رسول الله وآمنا به وصدقناه ، واتبعه منا من اتبعه وأبي منا من أبي ، فقاتل من أبى عليه بالذين اتبعوه حتى أظهره الله عز وجل على العرب قاطبة إما راغب فيما دعاه إليه وإما راهب من فرق السيف ، ولقد أقر له هرقل ملك الروم من قبل اليوم بالنبوة وشهد له بالرسالة ولم ينكر له ذلك ، ولقد خبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من قبل وفاته بأن الله تعالى يفتح علينا ويظهرنا على جميع الأديان ، وقد بلغك ما كان منا بأرض الشام لما قتلنا أهلها وسبيناهم حتى لم يلتق منهم اثنان في موضع واحد ، ونحن على ما نحن عليه من الضعف وقلة المال والسلاح والكراع حتى هرب منا هرقل إلى